قالت مجلة "هورن ريفيو" الإثيوبية إن قرار حكومة السودان الأخير بإغلاق ما يُزعم أنه وجود عسكري مصري قرب باجاك في ولاية أعالي النيل نقطة تحول محتملة في الجغرافيا السياسية لشمال شرق أفريقيا.
ولم تُصدر القاهرة أو جوبا أي تأكيد رسمي أو جدول زمني مفصل لهذا الانسحاب، إلا أنها اعتبرت الصمت المتعمد المحيط بالحدث يُعدّ كاشفًا بقدر أي بيان رسمي.
مع ذلك، وصفت المجلة الرواية القائلة بأن مصر كانت يومًا ما فاعلًا ثابتًا في المنطقة الجنوبية هي مجرد خرافة، "فمنذ عهد جون قرنق وحتى إدارة سلفا كير، سلكت القاهرة مسارًا محفوفًا بالمخاطر، وغالبًا ما وجدت مصالحها الاستراتيجية خاضعة لتأثير أديس أبابا الأقوى".
وأضافت: "حادثة باجاك ليست حالة شاذة، بل هي النتيجة المنطقية لنمط تاريخي حيث يُظهر جنوب السودان، رغم المحاولات المصرية المتكررة، تحالفًا مستمرًا مع جارتها الشرقية لضمان بقائها".
الروابط التاريخية بين جنوب السودان وإثيوبيا
وسلط التقرير الضوء على الروابط التاريخية بين جنوب السودان وإثيوبيا التي تعود إلى ما قبل 40 عامًا، إبان التمرد المسلح على الحكومة المركزية بالخرطوم، والذي انتهى لاحقًا بانفصال الجنوب عن السودان.
وأشار إلى أنه عندما أطلق جون قرنق الحركة الشعبية لتحرير السودان وجيشها عام 1983، واجهت حركته أزمة وجودية في الإمدادات. أدت التوجهات الأيديولوجية للحرب الباردة إلى حرمان الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى حد كبير من دعم الكتلة الاشتراكية التقليدية، فلجأ قرنق إلى تحالف إقليمي براجماتي. وطّد علاقة متينة مع الزعيم الإثيوبي آنذاك منجستو هيلا مريام، الذي وفّر ملاذًا آمنًا وقاعدة خلفية حيوية للحركة، وسمح بتدريب المقاتلين في منطقة جامبيلا.
وفي الوقت نفسه، حافظ قرنق على علاقة مع القاهرة، لكن المجلة وصفت هذه العلاقة بأنها اتسمت بالتشكيك والتحفظ المصريين، فقد كانت مصر تاريخيًا حريصة على وحدة السودان لضمان تدفق مياه النيل، ونظرت القاهرة إلى تمرد قرنق كعامل مزعزع للاستقرار، لا سيما مع علاقاته العسكرية الوثيقة بمنجستو الذي كان آنذاك على خلاف مع مصر حول النفوذ الإقليمي.
وفي هذا السياق تساءل: تساءل: هل كان تردد مصر مدفوعًا فقط بتحالف قرنق مع منغستو أم بإيمان استراتيجي أعمق بوحدة السودان؟، ليقول: الإجابة هي كلاهما. إذ كانت السياسة الخارجية المصرية محكومة في المقام الأول بأمن مياه النيل. فعلى مدى عقود، التزمت مصر بالحفاظ على الوضع الراهن لاتفاقية مياه النيل لعام 1959، وكان دعم تفكك السودان يُنذر بخلق جار جديد غير متوقع في أعالي النهر. ولذلك، لم تتقبل مصر قرنق كوكيل لها، بل تسامحت معه كورقة ضغط ضد السودان.
ولم تكن فكرة قيام جنوب السودان المستقل- كما يقول التقرير- جزءًا من حسابات مصر. كان قرنق نفسه قوميًا علمانيًا سعى إلى سودان موحد بدلاً من أن يكون منقسمًا، ولم يساهم هذا التوافق في المصالح مع مصر ظاهريًا إلا قليلاً في التغلب على انعدام الثقة الكامن الناجم عن علاقاته العسكرية العميقة مع منجستو.
وبحسب التقرير، فإنه بحلول وقت اتفاقية السلام الشامل عام 2005، أدركت مصر أنها لم تعد قادرة على العمل عبر الخرطوم وحدها، إلا أن الغموض ظل قائمًا. انتقلت مصر من المعارضة الصريحة إلى المشاركة المُدارة، مُقدمةً منحًا دراسية ودعمًا دبلوماسيًا وبرامج تدريب عسكري محدودة. لكن هذا النهج لم يُراعِ الواقع الجغرافي للمنطقة.
وأوضح أنه عندما نال جنوب السودان استقلاله عام 2011، تبيّن أن مخاوف مصر كانت في محلها. فعلى الرغم من المبادرات المصرية، ظل جنوب السودان مُتحالفًا مع إثيوبيا، وفي عام 2024 انضم إلى اتفاقية الإطار التعاوني، وهي معاهدة تعتبرها مصر اعتداءً مباشرًا على حصتها التاريخية من المياه. وفشلت الاستراتيجية المصرية في بناء علاقات مؤسسية لمنع هذا الانشقاق الدبلوماسي، كاشفةً عن حدود القوة الناعمة في مواجهة المخاوف الوجودية المتعلقة بالمياه.
موازنة الانقسامات السياسية الداخلية
ولم يُسهم انتقال السلطة من قرنق إلى سلفا كير في حل هذا التوتر، بل غيّر طبيعة التنافس. فقد حافظ الرئيس كير، وهو أحد قدامى المحاربين في حرب التحرير الذي قاتل إلى جانب قوات منجستو، على علاقات دبلوماسية ودية مع مصر، مستغلًا الدعم المصري في كثير من الأحيان لموازنة الانقسامات السياسية الداخلية.
كما عقد اجتماعات مع القيادة المصرية على مر السنين، واستمرت القاهرة في السعي إلى تعزيز نفوذها من خلال إلحاق ضباط من جنوب السودان بجيوشها، على أمل أن يُعطي جنرال مُدرّب في مصر الأولوية لوحدة النيل، ومع ذلك، رفض كير باستمرار العمل كوكيل للنيل ضد إثيوبيا. فخطوط تصدير النفط في جنوب السودان، وتنسيقها الأمني، ووساطتها في الحرب الأهلية السودانية، كلها تمر عبر المرتفعات الإثيوبية. وبالنسبة لكير، فإن العلاقة مع إثيوبيا هي علاقة اعتماد متبادل وليست مجرد علاقة صداقة، كما يصف التقرير.
وفي سياق تعليقها على إخلاء القاعدة العسكرية في باجاك مؤخرًا، ذكرت المجلة إن قرار جوبا بإغلاق ما يُزعم أنه وجود عسكري مصري قرب الحدود الإثيوبية. لم يكن عفويًا، بل يعكس أولويات جنوب السودان الاستراتيجية الواضحة. فبالنسبة لجنوب السودان، لم يكن استضافة بنية تحتية عسكرية مصرية على مقربة من حدود إثيوبيا السيادية مكسبًا استراتيجيًا، بل عبئًا.
إذ كان يُهدد بتحويل أراضي جنوب السودان إلى منطلق لحرب النيل، صراع لن تجني منه جوبا شيئًا سوى خسارة كل شيء، بما في ذلك منفذها البحري. وبقطع هذا الوجود العسكري الغامض، أشار كير إلى أديس أبابا بأنه على الرغم من خطاب التعاون العربي، فإن جنوب السودان لا يزال عضوًا في منطقة بحيرات النيل الاستوائية أولاً. فهو ليس مجرد شريك مخلص لإثيوبيا، بل يعمل الآن على تعزيز هذه العلاقة.
إعادة بناء مؤسسات دولة جنوب السودان
وبالتالي، فإن المصلحة الاستراتيجية والوطنية لإثيوبيا تتحقق على أفضل وجه من خلال استغلال هذه الفرصة، كما يدعو التقرير. تتطلب إعادة بناء مؤسسات دولة جنوب السودان وجود جار مستقر غير مهيمن. وبينما تسعى القاهرة إلى توسيع نفوذها من خلال مشاريع الطاقة الشمسية في إريتريا والتعاون العسكري في الصومال، فإن انسحابها من باجاك يشير إلى أن جنوب السودان يمثل تحديًا كبيرًا.
وأوضحت: "بالنسبة لإثيوبيا، الدرس واضح: يبقى النمط التاريخي لنضال التحرير هو العامل المهيمن. يشكل اللاجئون في جامبيلا، والنضال المشترك ضد الخرطوم، والترابط الاقتصادي لحوض النيل، رابطًا يصعب على القوة الناعمة المصرية قطعه".
وقالت المجلة: "إذا أرادت إثيوبيا تأمين مصالحها في النيل، فعليها الاستثمار في استقرار وسيادة جنوب السودان، لا كدولة تابعة، بل كشريك". وتابعت: "يثبت إغلاق القاعدة المصرية أنه في لعبة النيل المحفوفة بالمخاطر، فإن تهجير السكان والتضحيات التاريخية ستتفوق دائمًا على جاذبية الحوافز المالية في المصب. لقد اختار جنوب السودان جواره، وفي المستقبل المنظور، سيكون هذا الجوار هو إثيوبيا وليس مصر".
https://hornreview.org/2026/05/21/the-pagak-withdrawal-and-the-historical-limits-of-egyptian-influence-in-south-sudan/

